محمد جواد مغنية
275
في ظلال نهج البلاغة
المعنى : ( نحمده تعالى على ما أخذ وأعطى ، وعلى ما أبلى وابتلى ) . أعطى وأبلى عطف تفسير ، لأن الإبلاء إحسان ، وأيضا أخذ وابتلى عطف تفسير ، لأن الابتلاء امتحان ، والحمد على النعمة يعبر عن شكر المنعم ، أما الحمد على الابتلاء فهو دليل الرضا بقضائه تعالى ، والصبر على بلائه ( الباطن - إلى - العيون ) المراد بالباطن العالم ، يقال : بطن الأمر اي علمه ، والحاضر الشاهد ، وعطف بعض هذه الجمل على بعض من باب عطف التفسير ، ومعناها مجتمعة ومفترقة ان اللَّه يعلم السر وأخفى . ( وان محمدا نجيبه وبعيثه ) اي خيرته من خلقه ، وسفيره إليهم ( شهادة يوافق فيها السر الإعلان ، والقلب اللسان ) . انسجام والتحام بين النية والقول والفعل في الشهادة بالتوحيد ورسالة محمد ( ص ) ومعنى الانسجام بين هذه الأمور الثلاثة ان النية من شؤون القلب والروح ، و « الروحانيات » بكاملها ليست بشيء إلا إذا تحولت إلى قوى مادية تحس وتلمس ، أما الكلام فهو حروف ميتة ، وحياته أن يتجسد في الأعمال ، واذن فالنية الصادقة ، والأقوال المخلصة لا تفترق عن العمل بحال . فلسفة الأمل : ( فإنه واللَّه الجد - إلى - حاديه ) . الضمير في أنه يعود إلى الإنذار والتحذير المفهوم من سياق الكلام ، والذي حذر الإمام من عدم العمل له واقع لا محالة وهو الموت وما بعده ، وأي حي ينجو من الموت حتى ينكره بصرف النظر عن داعيه وحاديه . ولكنا نأمل أن تمتد بنا الحياة لرغبتنا فيها ، ولما نراه من كثرة الأحياء ، فتحدث هذه الرؤيا في نفوسنا الأمل في البقاء أمدا طويلا . . ولكنه أمل خادع وكاذب ، ولذا حذّر منه الإمام بقوله : ( فلا يغرنك سواد الناس من نفسك ) . وسواد الناس كثرة الأحياء ، أي احذر من نفسك التي تخدعك وتمنيك بطول العمر ، وتقول لك : انظر إلى هؤلاء الأحياء وكثرتهم ، وأنت واحد منهم ، والى فلان كم عاش ، وسوف تعيش أكثر منه . ولا أعرف أحدا تكلم عن الأمل في العيش وفلسفه بهذه الدقة ، وهذا العمق - غير